الكومنترن الأرشيف العربية



لينين



الماركسية والعصيان

سبتمبر 1917



لينين ، المجلد 26 ، صفحة 4





الزاعم أن تحضير الانتفاضة، وبوجه عام، اعتبار الانتفاضة فناً، إنما هو ضرب من "البلانكية" .

إن زعيم الانتهازية، برنشتين، قد اكتسب شهرة سيئة باتهامه الماركسية بالبلانكية. وفي الأساس نري أن الانتهازيين الحاليين الذين يزعقون بتهمة البلانكية لا يجددون ولا "يغُنون" في شيء "أفكار" برنشتين الهزيلة.

اتهام الماركسية بالبلانكية لأنهم يعتبرون الانتفاضة فناً ! فهل يمكن أن يكون ثمة تشويه للحقيقية أشد وضوحاً ! فما من ماركسي ينكر أن ماركس نفسه قد أبدي رأيه حول هذه المسألة بأكثر ما يكون من الدقة والوضوح والجزم، مسميا الانتفاضة بالضبط فناً، قائلا أنه ينبغي اعتبارها فناً، وأنة ينبغي إحراز نجاح أول، والمضي فيما بعد من نجاح إلي نجاح، دون وقف الهجوم على العدو، ومع استغلال بلبلته،...إلخ، إلخ..

وفي سبيل النجاح، ينبغي للانتفاضة ألا تعتمد على مؤامرة أو على حزب، بل على الطبقة الطليعية. تلك هي النقطة الأولي. النقطة الثانية. ينبغي للانتفاضة أن تعتمد على انعطاف حاسم في تاريخ الثورة الصاعدة، حين يبلغ نشاط الصفوف المتقدمة من الشعب ذروته، حين تبلغ الترددات في صفوف الأعداء وفي صفوف أصدقاء الثورة الضعفاء، الحائرين غير الحازمين، أشدها. تلك هي النقطة الثالثة. إن الماركسية لتمتاز عن البلانكية لأنها تصوغ هذه الشروط الثلاثة بالذات عند طرحها مسألة الانتفاضة.

ولكن إذا توافرت هذه الشروط، كان رفض اعتبار الانتفاضة فناً بمثابة خيانة للماركسية، بمثابة خيانة للثورة.

ولكي نثبت أن الفترة الحالية هي بالضبط الفترة التي يجب فيها على الحزب بالضرورة أن يعترف بأن مجري الأحداث الموضوعية قد طرح الانتفاضة في جدول الأعمال وأن يعتبر الانتفاضة فنا، لكي نثبت هذا قد يكون من الأحسن استخدام طريقة المقارنة ورسم مقابلة بين يومي 3 و4 تموز (يوليو) وأيام أيلول (سبتمبر).

في 3 و4 تموز، كان من الممكن والصائب وضع المسألة على النحو التالي : من الأصح استلام الحكم، وإلا اتهمنا أعدائنا حتما بالانتفاضة وقمعونا كعصاه. ومع ذلك لم يكن من الممكن القول بضرورة استلام الحكم حينذاك، لأن الشروط الموضوعية لانتصار الانتفاضة لم تكن متوافرة حينذاك:

1) لم تكن معنا الطبقة التي هي طليعة الثورة. لم تكن معنا أغلبية العمال والجنود في العاصمتين. أما الآن فنحوزها في كل من سوفييتي العاصمتين. إن هذة الأغلبية قد ولدتها فقط حوادث تموز وآب (يوليو وأغسطس)، عن طريق تجربة أعمال "القمع" المسلط على البلاشفة، وكذلك عن طريق تجربة فتنة كورنيلوف.

2) لم يكن التهوض الثوري حينذاك قد شمل الشعب بأسرة. أما الآن، فقد تم ذلك، بعد فتنة كورنيلوف. والدليل على ذلك الملحقات، واستيلاء السوفييتات على الحكم في الكثير من الأماكن.

3) لم يكن حينذاك أعداؤنا والبرجوازية الصغيرة الحائرة قد أبدوا ترددات ذات مدي سياسي عام خطير. أما اليوم، فإن هذه الترددات كبيرة جدا: إن عدونا الرئيسي، الإمبريالية المتحالفة والعالمية – لأن الحلفاء هم في رأس الإمبريالية العالمية –، يتردد بين الحرب حتى النصر وبين صلح منفرد ضد روسيا، وأصحابنا الديموقراطيين البرجوازيين الصغار، الذين تبين أنهم فقدوا الأكثرية في صفوف الشعب، هم فريسة ترددات هائلة، وقد تخلوا عن الكتلة، أي عن الائتلاف مع الكاديت.

4) ولهذا، لو أن الانتفاضة شبت في 3 و4 تموز لكانت خطأ: فلا ماديا، ولا سياسياً، كان بوسعنا أن نحتفظ بالحكم، رغم أن بتروغراد كانت في أيدينا أحياناً، لأن عمالنا وجنودنا ما كانوا ليقاتلون ويستشهدون في ذلك الحين بغية امتلاك المدينة: فما كانوا في مثل هذه الحالة من "الضراوة" كما هي حالتهم اليوم ؛ وما كان يغلي في صدورهم الحقد الضاري نفسه سواء على كيرنسكي واضرابه، أو على تسيريتيلي وتشيرنوف واضرابهما، وما كان مناضلونا قد تمرسوا بتجربة القمع المسلط على البلاشفة بمساهمة الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة.

وسياسياً، ما كان بوسعنا أن نحتفظ بالحكم في 3 و4 تموز، لأنة كان بامكان الجيش والملحقات أن تزحف على بتروغراد ولكانت زحفت على بتروغراد، قبل فتنة كورنيلوف.

أما الآن، فاللوحة مغايرة تماماً.

فمعنا أغلبية الطبقة، طليعة الثورة، طليعة الشعب، التي تستطيع اجتذاب الجماهير.

معنا أغلبية الشعب، لأن استقالة تشيرنوف هي أبرز وأوضح دليل، وإن لم تكن الدليل الوحيد، على أن الفلاحين لن يتلقوا الأرض من كتلة الاشتراكيين-الثوريين (ولامن الاشتراكيين-الثوريين أنفسهم). والحال، على هذا يتوقف طابع الثورة الشعبي الشامل.

نحن الآن بأفضلية حزب يعرف تمام المعرفة السبيل الذي ينبغي سلوكه حين تبدو ترددات لا سابق لها في صفوف الإمبريالية بكليتها وكتلة المناشفة والاشتراكيين-الثوريين بأسرها.

إن انتصارنا مضمون، لأن الشعب على قيد شعرة من اليأس. ونحن دللنا الشهب بأسره على المخرج الصحيح إذ بينا له "في أيام فتنة كورنيلوف" أهمية قيادتنا، ثم عرضنا على الكتلويين إجراء مساومة، فرفضوا عرضنا، ولكنهم ما يزالون يترددون.

وإنه لمن الخطأ الاعتقاد أن عرض المساومة لم يرفض حتى الآن، وأن "الاجتماع الديمقراطي" لا يزال في وسعه أن يقبله.

لقد عرضت المساومة من حزب لأحزاب، ولم يكن بالامكان عرضها على نحو آخر. فرفضتها الأحزاب. وليس الاجتماع الديمقراطي سوي اجتماع، لا أكثر. وينبغي ألا ننسي شيئا واحدا: هو أن أغلبية الشعب الثوري، الفلاحين الفقراء الحانقين، غير ممثلة في هذا الاجتماع. إنه اجتماع أقلية الشعب ؛ تلك حقيقة بديهية لا يجوز نسيانها. فإذا اعتبرنا الاجتماع الديمقراطي برلمانا، اقترفنا شر خطأ، ووقعنا في شر بلاهة برلمانية ؛ إذ انه لا يقرر أي شيء، حتى ولو أعلن نفسه برلمان الثورة الدائم ذا السيادة: فتقرير الأمور لا يتوقف عليه، بل على أحياء العمال في بتروغراد وموسكو.

إن جميع المقدمات الموضوعية لنجاح الانتفاضة متوافرة الآن، فلدينا الأفضليات الاستثنائية الناجمة عن وضع لا يقضي فيه غير انتصارنا في الانتفاضة على الترددات التي عذبت الشعب، والتي هي أشد الأشياء تعذيبا في العالم، ولا يعطي فيه غير انتصارنا في الانتفاضة الأرض للفلاحين على الفور، ولا يحبط فيه غير انتصارنا نحن في الانتفاضة مهزلة الصلح المنفرد الموجه ضد الثورة، إن انتصارنا سيحبط هذه المهزلة بعرضه علنا صلحا أكمل، وأعدل، وأسرع، صلحا في صالح الثورة.

وأخيرا، إن حزبنا وحدة يستطيع إنقاذ بتروغراد بعد أن ينتصر في الانتفاضة ؛ لأنه إذا رفض عرض الصلح الذي نتقدم به وإذا لم نحصل حتى على هدنة، غدونا نحن من "أنصار الدفاع" وسرنا طليعة أحزاب الحرب ؛ وأمسينا أشد أحزاب الحرب ضراوة، وخضنا الحرب بصورة ثورية حقاً، وانتزعنا كل الخبز وكل الجزم من الرأسماليين، وتركنا لهم الفتات واحذيناهم الأحذية من لحاء الشجر، وأعطينا الجبهة كل الخبز وكل الأحذية.

وإذ ذاك نحتفظ ببتروغراد.

وما تزال في روسيا موارد هائلة، مادية ومعنوية، لخوض حرب ثورية حقا. وثمة 99 بالمئة من الاحتمالات أن يمنحنا الألمان هدنة على الأقل. والحال، أن الحصول الآن على هدنة، إنما يعني التغلب على العالم بأسرة.

* * *

إننا، إذ ندرك أن من الضروري إطلاقا أن يقوم عمال بتروغراد وموسكو بانتفاضة في سبيل إنقاذ الثورة وفي سبيل إنقاذ روسيا من تقاسم " منفرد " بين إمبرياليي الكتلتين، يترتب علينا بادئ الأمر أن نكيف تكتيكنا السياسي في الاجتماع وفقا لشروط الانتفاضة التي تتصاعد؛ ومن ثم يترتب علينا أن نثبت أننا لا نكتفي بالموافقة قولا فقط على فكرة ماركس حول ضرورة اعتبار الانتفاضة فناً.

وعلينا، في الاجتماع، منذ البدء، أن نشد من لحمة الكتلة البلشفية، دون الركض وراء العدد، دون الخشية من ترك المترددين في معسكر المترددين : فهناك يكونون أوفر فائدة لقضية الثورة مما لو كانوا في معسكر المكافحين المفعمين بروح الحزم والتفاني.

يترتب علينا أن نضع بيانا موجزا باسم البلاشفة، نشير فيه بأشد ما يكون من الجزم إلي انه ليس من المناسب إلقاء الخطب الطويلة و"الخطب" بوجه عام، إلي انه من الضروري القيام بعمل فوري في سبيل إنقاذ الثورة إلي انه من الضروري إطلاقا إجراء قطيعة تامة مع البرجوازية، وخلع كل الحكومة الحالية خلعاً، وإجراء قطيعة تامة مع الإمبرياليين الانجلو-فرنسيين الذين يهيئون تقاسم روسيا بصورة "منفردة"، إلي انه من الضروري انتقال كل السلطة فوراً إلي الديمقراطية الثورية التي تترأسها البروليتاريا الثورية.

ينبغي أن يصوغ بياننا، بصورة موجزة قاطعة قدر الامكان، وبالارتباط مع مشاريع برنامجنا، الاستنتاج التالي: السلام للشعوب، الأرض للفلاحين، مصادرة الأرباح الرأسمالية الفاضحة، كبح جماح الرأسماليين الذين يخربون الإنتاج بصورة فاضحة.

وكلما كان هذا البيان موجزا وقاطعا، كان ذلك أحسن، إنما ينبغي فقط أن نشير فيه بكل وضوح إلي نقطتين على جانب كبير من الأهمية: ان الترددات قد عذبت الشعب إلي أقصي حد، وان تذبذبات الاشتراكيين ـ الثوريين والمناشفة قد عذبته تعذيباً، ولذا نقطع نهائيا كل صلة لنا مع هذين الحزبين لانهما خانا الثورة.

النقطة الثانية: اننا، إذ نعرض فورا صلحا بدون الحاقات، وإذ نقطع فورا كل صلة مع الإمبرياليين الحلفاء وجميع الإمبرياليين الآخرين، إنما نحصل فورا على هدنة، واما على تبني كل البروليتاريا الثورية وجهة نظر الدفاع وعلي قيام الديمقراطية الثورية، تحت قيادة البروليتاريا الثورية، بحرب عادلة حقا، ثورية حقا.

وبعد تلاوة هذا البيان، بعد الدعوة إلي التقرير لا إلي الكلام، إلي العمل لا إلي تدبيج القرارات، ينبغي علينا أن نوجه كل كتلتنا إلي المعامل والثكنات: فهناك مكانها، هناك عصب الحياة، هناك مصدر خلاص الثورة، هناك محرك الاجتماع الديمقراطي.

هناك، في خطابات حماسية متأججة، ينبغي علينا أن نوضح برنامجنا وأن نطرح المسألة على النحو التالي: إما قبول الاجتماع هذا البرنامج قبولا تاما، وإما الانتفاضة. وليس ثمة من حل آخر، ويستحيل الانتظار. فالثورة في سبيل الهلاك.

بطرح المسألة على هذا النحو، وتركيز كل نشاط كتلتنا في المعامل والثكنات، سنعرف كيف نختار اللحظة المناسبة للقيام بالانتفاضة.

ولكي ننظر إلي الانتفاضة نظرة ماركسية، أي لكي نعتبرها فناً، ينبغي علينا، في الوقت نفسه، ألا نضيع أي دقيقة، فننظم هيئة أركان لفصائل الثوار، ونوزع قوانا، ونوجه الأفواج الأمينة نحو أهم النقاط، ونطوق الكسندرينا ، ونحتل بتروبافلوفكا ، ونعتقل هيئة الأركان العامة والحكومة، ونرسل ضد اليونكر والفرقة الوحشية فصائل يستطيع أفرادها التضحية بحياتهم ولا يدعون العدو يمر نحو النقاط الهامة من المدينة. ينبغي علينا أن نعبئ العمال المسلحين، وندعوهم إلي خوض معركة مستميتة أخيرة، ينبغي أن نحتل دفعة واحدة التلغراف والتلفون، وأن نقيم هيئة أركاننا نحن الثورية عند المركز التلفوني، وأن نربطه تلفونيا بجميع المعامل والمصانع، بجميع الأفواج، بجميع النقاط التي سيجري فيها النضال المسلح، الخ...

وطبيعي أن كل ما قيل ما هو إلا من باب الإشارة لكي نبين أننا لا نستطيع، في الفترة التي نمر بها، أن نبقي أمناء للماركسية، أن نبقي أمناء للثورة، إذا لم نعتبر الانتفاضة فناً.